السياسة الأجرية في المغرب

2017-12-25
السياسة الأجرية في المغرب

الجلسة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة
(المادة 100 من الدستور)

مجلس المستشارين/ الثلاثاء 26 دجنبر 2017

جواب رئيس الحكومة
الدكتور سعد الدين العثماني

السؤال المحوري الثاني
"السياسة الأجرية في المغرب"



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين؛
السيد رئيس مجلس المستشارين المحترم،
السيدات والسادة المستشارين المحترمين،
أود في البداية أن أشكر السيدات والسادة المستشارين المحترمين على تفضلهم بطرح سؤال حول موضوع السياسة الأجرية الذي يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بمستوى عيش شريحة كبيرة من المواطنين وقدرتهم الشرائية.
فقد كانت مسألة الأجور وآثارها الاقتصادية والاجتماعية دوما محل جدل ونقاش بين النقابات والحكومة. ويكمن جوهر هذا النقاش في مسألة تأثير الزيادة في الأجور على تكاليف الإنتاج والمردودية والاستدامة والقدرة التنافسية الاقتصادية. وهكذا، فإن سياسة الأجور هي في صميم السياسات العمومية بفعل تأثيرها على خلق فرص الشغل وتطور الأسعار، وبالتالي، على التوازنات الماكروقتصادية بصفة عامة. ومن هذا المنطلق فإن أية سياسة فعالة للأجور، ينبغي أن تسعى إلى تحقيق توازن دائم بين متطلبات المنافسة وإعادة توزيع الثروة من خلال الأجور (تحسين القوة الشرائية).
إن عدم المواءمة بين وتيرة تطور الأجور والإنتاجية قد يمثل إشكالية حقيقية بالنسبة للاقتصاد المغربي. فالواقع أن ارتفاع الأجور بوتيرة أسرع من إنتاجية العمل يؤدي إلى زيادة في تكلفة اليد العاملة، وما يترتب عن ذلك من تأثير على الأسعار التي تؤثر على تنافسية الاقتصاد وخلق فرص الشغل.
وبالمقابل، فإن زيادة إنتاجية العمل التي لا تترجم إلى تحسن في دخل الأجور تؤدي إلى التفاوتات وتركيز الثروة التي يمكن أن تؤدي إلى توترات اجتماعية.
وعليه فإن أفضل سياسة للأجر هي التي تعمل على تحقيق التوازن بين تحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني مع الحفاظ وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
أولا- السياسة الأجرية في القطاع الخاص
ترتكز السياسة الأجرية للحكومة في القطاع الخاص على مقاربة تشاركية تقوم على التشاور المستمر مع المنظمات المهنية الأكثر تمثيلا للعمال وأرباب العمل في إطار الحوار الاجتماعي، حيث تم تحقيق جملة من المكاسب في هذا الإطار لفائدة الطبقة الشغيلة التي تستحق كل الاهتمام بالنظر إلى دورها المحوري في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، بل وتستحق بذل المزيد من المجهودات من أجل النهوض بأوضاعها وتحسين قدرتها الشرائية.
وفي هذا الإطار يعتبر الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص ببلادنا منسجما مع المعايير العمل الدولية، خاصة اتفاقية العمل الدولية رقم 131 المتعلقة بتحديد الحد الأدنى للأجور التي صادقت عليها بلادنا سنة 2013، ويتم العمل تبعا لذلك على توحيد نظام الحد الأدنى القانوني للأجور المطبق على جميع القطاعات الاقتصادية بطريقة تدريجية وبالتشاور مع المنظمات المهنية الأكثر تمثيلا للعمال وأرباب العمل.
 كما تعمل الحكومة باستمرار على تطوير ومراجعة الحد الأدنى للأجر بهدف المحافظة على القدرة الشرائية للعمال وتحسين ظروفهم المعيشية، وذلك في إطار تطبيق التزامات الحكومة بمقتضى الحوار الاجتماعي وربط الأسعار بالأجور وبالدخل.
وفي هذا الصدد، فقد عرف الحد الادنى القانوني للأجر في القطاع الخاص، في إطار جولات الحوار الاجتماعي برسم سنتي 2011 و2014 زيادتين متتاليتين بنسبة 15% و 10% على التوالي (المرسوم رقم 2.11.247 الصادر في فاتح يوليوز 2011، والمرسوم رقم 2.14.343 الصادر في 24 يونيو 2014).
وقد مكنت مراجعات الحد الأدنى للأجر التي عرفتها السنوات الأخيرة (2010-2015) في إطار الحوار الاجتماعي من تحقيق مكاسب مهمة بالنسبة للقدرة الشرائية لفئة العمال ذوي الحد الأدنى للأجر بنسبة 3,5% كمتوسط سنوي، وذلك نتيجة لارتفاع القيمة الإسمية للحد الأدنى للأجر بمعدل سنوي متوسط يقارب 4,8% مقابل 2,1% كمعدل في ارتفاع أثمنة الاستهلاك.
ونتيجة لذلك فالمغرب يحتل مرتبة متوسطة مقارنة بالدول المماثلة أو المنافسة اقتصاديا، من حيث الحد الأدنى للأجر حسب تقرير ممارسة الأعمال 2016 للبنك الدولي. كما أنه يحتل مرتبة مرضية على مستوى نسبة ارتفاع الإنتاجية التي حققت تحسنا يفوق نسبة 3% خلال العشرية الأخيرة (2005-2015) حسب معطيات منظمة العمل الدولية. ورغم هذا التحسن فان مستوى الإنتاجية ما زال يبقى غير مؤهل لتنافسية الاقتصاد الوطني، حيث أن مستوى هذا المؤشر يضع المغرب في مستوى متدن من قائمة هذه الدول.
وتفيد معطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المتوفرة حول الأجور أن ارتفاع متوسط الأجر (الشهري) في القطاع الخاص المنظم بلغ حوالي 2,4% سنويا خلال الفترة 2010-2016، وهي وتيرة تبقى أقل من وتيرة ارتفاع الحد الأدنى للأجر، لكنها تتجاوز وتيرة ارتفاع الرقم الاستدلالي لأسعار الاستهلاك (1,3 %)، مما يعني ارتفاع في القدرة الشرائية لهذا الأجر بنسبة 1,1 % كمعدل سنوي.

ثانيا- السياسة الأجرية في القطاع العام
1.    وضعية الأجور في القطاع العام
تجدر الإشارة في البداية إلى أن الأجور بالوظيفة العمومية شهدت تطورات هامة في السنين الأخيرة، فقد عرف الحد الأدنى للأجور عدة مراجعات، حيث ارتفع من 1586 درهم في سنة 2007 إلى 2800 درهم في سنة 2011، ليصل إلى 3000 درهم سنة 2014، وهو الحد الأدنى المعمول به حاليا.  
كما ارتفع معدل متوسط الأجور من 4670 درهم سنة 2003 إلى 5333 درهما سنة 2016 ثم إلى 7600 درهم سنة 2017، أما كتلة الأجور فقد بلغت 106 مليار درهم سنة 2017 مقابل 66 مليار سنة 2006، في الوقت الذي لم تعرف فيه الأسعار خلال العشرية الأخيرة تطورا كبيرا (معدل سنوي يقدر ب 2 %).
ويعزى هذا التطور إلى المجهودات الكبيرة التي قامت بها الدولة في إطار الحوار الاجتماعي، والتي تجسدت أساسا من خلال عدد من الإجراءات، تمثلت في محاربة العمل الهش بالوظيفة العمومية (ترسيم المؤقين والمياومين، وحذف السلالم الدنيا..)، والرفع من الأجور (تخفيض الضريبة على الدخل، الزيادة في التعويضات، مراجعة نظام الترقي ..).
كما يجدر التذكير، أنه في الوقت الذي تمت فيه مراجعة الوضعيات المادية لفئة الموظفين ذوي الدخل المحدود، فإن بعض الأجور الإجمالية والتعويضات الممنوحة للمسؤولين المعينين في الوظائف العليا في الإدارات العمومية لم تعرف أية مراجعة منذ 1993 بالنسبة للكتاب العامين، و1997 بالنسبة لمديري الإدارات المركزية، الأمر الذي ساهم أيضا، في تقليص الفوارق بين أجور الموظفين النظاميين وأجور المسؤولين المعينين في الوظائف العليا.
وهكذا تقلصت نسبة الفارق بين أدنى وأعلى أجر بالوظيفة العمومية من        26 مرة سنة 2007 إلى 16 مرة سنة 2015، وخاصة بعد الرفع من الحد الأدنى للأجور الى 3.000 درهم سنة 2014، مقابل 1.586 درهم سنة 2007.
وجدير بالذكر أن مستوى الأجور بالوظيفة العمومية ببلادنا يعتبر من بين الأعلى في المنطقة، حيث يمثل متوسط الأجر 3,21 أضعاف الناتج الداخلي الإجمالي للفرد، مقابل 2,5 مرة كمتوسط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا و 1,5 مرة على المستوى العالمي.
وبمقارنة كتلة أجور الموظفين بالمغرب بالنسبة الناتج الداخلي الخام، فقد بلغت هذه النسبة نسبة 11.84 %سنة 2016، وبالتالي فهي تعد من بين أكبر النسب بالمنطقة، حيث تبلغ هذه النسبة مثلا 7.2 % في مصر مثلا، أما في دول مجموعة التعاون والتنمية الاقتصادية، فإن هذه النسبة تقل عن 10 % حيث لا تتجاوز       9.4 % في فرنسا مثلا.
ويتجلى كذلك هذا المستوى العالي للأجور بالوظيفة العمومية مقارنة بأجور القطاع الخاص، حث يمثل متوسط الأجور في الوظيفة العمومة 1,57 مرة معدل الأجور بالقطاع الخاص، في حين يبلغ هذا المؤشر حوالي 0,7 بمنطقة الاتحاد الأوربي وآسيا الوسطى و 1,3 بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتشير التوقعات المتعلقة بالفترة 2017-2021 إلى أن كتلة الأجور ستستمر في الارتفاع. وعلى افتراض نسبة نمو اقتصادي في حدود 3.6%، فإن نسبة كتلة الأجور من الناتج الداخلي الخام ستنتقل من 11.84% سنة 2016 إلى 12% سنة 2018، قبل أن تشرع في الانخفاض انطلاقا من سنة 2019 لتصل إلى 11.5% سنة 2021 .
2.    آفاق سياسة الأجور في القطاع العام
وعيا منها بالاخــتـلالات الــتي تعتــري منظــومة الأجـور الحالية، فإن الحكــومة تعتزم إعادة النظر فيها، في إطار إصلاح شمولي لمنظومة الوظيفة العمومية، وذلك استنادا إلى نتائج الدراسة التي قام بها مكتب دولي مختص للدراسات بإشراف من وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية ووزارة الاقتصاد والمالية، وبمشاركة مجموعة من القطاعات الوزارية، بغاية إقرار منظومة أجرية حديثة محفزة ومنصفة وشفافة، ترتكز على الاستحقاق والمردودية، وعلى تعويض الموظفين على أساس العمل المنجز، علاوة على الحد من الفوارق بين الأجور العليا والدنيا والتحكم في كتلة الأجور.
وقد أكد التشخيص المنجر في إطار هذه الدراسة على أن المنظومة الحالية للأجور قد أصبحت متقادمة ومعقدة وغير متجانسة، وأن استمرار العمل بها من شأنه أن يؤدي إلى استمرار الاختلالات التالية:
    تكريس الفئوية في مجال الأجور واستمرا التفاوتات المسجلة بين مختلف هيئات الموظفين، والناتجة عن تعدد الأنظمة الأساسية المتميزة أساسا باختلاف أنظمة التعويضات وغياب التجانس على مستوى المسار المهني (الترقي في الدرجة بالكوطا أو بدونها، اختلاف إيقاعات الترقي في الرتبة إلخ)،
    ارتفاع نسبة كتلة الأجور مقارنة بميزانية الدولة؛
    عدم التوازن بين التعويضات التي تمثل 72% والراتب الأساسي الذي لا يتجاوز 28 %.
وقد مكن هذا التشخيص من وضع تصور يقوم على ما يلي:
    إعادة هيكلة منظومة الأجور بطريقة تسمح باسترجاع المرتب الأساسي لمكانته، وسيمكن هذا الإصلاح من اعتماد مقاربة أكثر شمولية لمراجعة الأجور ترتكز على الزيادة في الراتب الأساسي بالنسبة لمجموع موظفي وأعوان الدولة؛
    تمديد شبكة الأرقام الاستدلالية لتوسيع آفاق تطور المسار المهني للموظفين في السلالم التي ينتمون إليها، وبالتالي تقليص الضغط على نظام الترقي في السلم أو الدرجة؛
    توحيد الفوارق في النقط بين رتبة وأخرى؛
    مراجعة التقطيع الترابي للمناطق وحصرها في خمسة مناطق وفق معايير موضوعية لمنح التعويض عن الإقامة.
ويقوم هذا التصور على إصلاح جوهر ي لنظام الأجور، لا يرتكز فقط على الدرجة أو السلم، ولكن على أساس مفهوم الوظيف (كفاءات مكتسبة في ميدان المعرفة والمهارة، الأعباء والجهود المبذولة، المسؤولية والمخاطر المتحملة، شروط العمل...).
وسيتم إدراج هذا التصور في إطار الإصلاح الشامل للنظام الأساسي للوظيفة العمومية الذي يتم الإعداد له حاليا من قبل الوزارة الوصية والذي يهم مختلف الجوانب التي تهم وضعية الموظف العمومي، لاسيما التوظيف، والمسار المهني والحركية وتقييم أداء الموظفين وأسس تحديد الأجر ....
وهو الإصلاح الذي يروم التأسيس لنظام قائم على مفهوم الوظيف عوض الدرجات، وكذا اعتماد آليات التدبير الحديث وما يستلزمه ذلك من إجراءات عملية، كتحيين الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات وفقا للنموذج الشامل لوظائف وكفاءات الإدارة، وتصنيف الوظائف، واعتماد التدبير التوقعي.

    والله ولي التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


 

  • جلسات البرلمان الشهرية
  • خطب
  • دوريات
المزيد